ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ
[We sent them] with clear proofs and written ordinances. And We revealed to you the message that you may make clear to the people what was sent down to them and that they might give thought.
ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ
[We sent them] with clear proofs and written ordinances. And We revealed to you the message that you may make clear to the people what was sent down to them and that they might give thought.
Tafsir
Verse range: 16:44
والجار والمجرور متعلق بمقدر يدل عليه ما قبله، وقع جواباً عن سؤال من قال: "بم أرسلوا؟" فقيل: أرسلوا بالبينات والزبر.
وجوز الزمخشري والحرفي تعلقه بـ "أرسلنا" السابق، داخلاً تحت حكم الاستثناء مع "رجالاً"؛ أي: وما أرسلنا إلا رجالاً بالبينات. وهو في معنى قولك: "ما أرسلنا جماعة من الجماعات بشيء من الأشياء إلا رجالاً بالبينات". ومثله: "ما ضربت إلا زيداً بسوط". وهو مبني على ما جوزه بعض النحاة من جواز أن يُستثنى بأداة واحدة شيآن دون عطف، وأنه يجري في الاستثناء المفرغ. وأكثر النحاة على منعه، كما صرح به صاحب "التسهيل" وغيره.
وقال في "الكشف": والحق أنه لا يجوز؛ لأن "إلا" من تتمة ما دخلت عليه كالجزء منه، وللزوم الإلباس، أو وجوب أن يكون جميع ما يقع بعد "إلا" محصوراً، وأن يجب نحو: "ما ضرب إلا زيداً عمراً" إذا أريد الحصر فيهما، ولا يكون فرق بين هذا وذاك، وكل ذلك ظاهر الانتفاء. والزمخشري جوز ذلك وصرح به في مواضع من "كشافه"، واستدل عليه بأن أصل "ما ضربت إلا زيداً بسوط" هو "ضربت زيداً بسوط"، وأراد أن زيادة "ما" و"إلا" ليست إلا تأكيداً، فلتُؤكد لما كان أصل الكلام عليه. وهو حسن لولا أن الاستعمال والقياس آبيان.
وقال بعضهم: إنه متعلق به من غير دخوله مع "رجالاً" تحت حكم الاستثناء، على أن أصله: "وما أرسلنا بالبينات والزبر إلا رجالاً". وتُعُقِّب بأنه لا يجوز على مذهب البصريين، حيث لا يجيزون أن يقع بعد "إلا" إلا مستثنى، أو مستثنى منه، أو تابعاً، وما ظُن من غير الثلاثة معمولاً لما قبل "إلا" قُدِّر له عامل. وأجاز الكسائي أن يقع معمولاً لما قبلها منصوباً، كما في "ما ضرب إلا زيداً عمرو"، ومخفوضاً، كما في "ما مر إلا زيد بعمرو" و"لا يعذب إلا الله بالنار"، ومرفوعاً، كما في "ما ضرب إلا زيداً عمرو". ووافقه ابن الأنباري في المرفوع، والأخفش في الظرف والجار والمجرور. فما ذُكر مبني على مذهب الكسائي والأخفش. لكن قال الشهاب: إنه خلاف ظاهر الكلام وإخراج له عن سنن الانتظام، وأكثر النحاة على أنه ممنوع.
وجوز أن يكون متعلقاً بما رُفِع صفةً لـ "رجالاً"؛ أي: رجالاً ملتبسين بالبينات، ولم يقع حالاً منه وقيل: لأنه نكرة متقدمة. نعم، قيل بجواز وقوعه حالاً من ضمير الرجال في "إليهم". وقيل: يجوز كونه حالاً من "رجالاً" لأنه نكرة موصوفة. واختار أبو حيان مجيء الحال من النكرة بلا مسوغ كثيراً قياساً، ونقله عن سيبويه، وإن كان دون الإتباع في القوة.
وجوز أيضاً تعلقه بـ "تعلمون". وقوله سبحانه: {فاسألوا أهل الذكر} اعتراض على الوجوه المتقدمة، أو غير الأول. وتصدير الجملة المعترضة بالفاء صرح به في "التسهيل" وغيره، وما نُقل من منعه ليس بثبت. ثم إذا كان اعتراضاً متخللاً بين مقصوري حرف الاستثناء: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون * إنا أرسلنا رجالاً بالبينات}، وعلى الوصفية: {إن كنتم لا تعلمون أنهم رجال متلبسون بالبينات}. وعلى هذا يُقدر الاعتراض مناسباً لما تخلل بينهما. وأشبه الأوجه أن يكون على كلامين ليقع الاعتراض موقعه اللائق به لفظاً ومعنى، قاله في "الكشف".
وجوز أن يتعلق بـ "تعلمون" فلا اعتراض، وفي الشرط معنى التبكيت والإلزام، كما في قول الأجير: "إن كنتُ عملتُ لك فأعطني حقي"؛ فإن الأجير لا يشك في أنه عمل، وإنما أخرج الكلام مخرج الشك لأن ما يُعمل به من التسويف معاملة من يظن بأجيره أنه لم يعمل، فهو في ذلك يُلزمه مقتضى ما اعترف به من العمل، ويُبكته بالتقصير مجهِّلاً إياه. فكذا ما هنا، لا يُشك أن قريشاً لم يكونوا من علم البينات والزبر في شيء، فيقول: إن كون الرسل -عليهم السلام- رجالاً أمر مكشوف لا شبهة فيه، فاسألوا أهل الذكر إن تكونوا من أهله يبين لكم. يريد أن إنكاركم وأنتم لا تعلمون ليس بسديد، وإنما السبيل أن تسألوا من أهل الذكر، لا أن تنكروا قولهم؛ فإن إنكارهم منافٍ لما تقتضيه حالكم من السؤال، فهو تبكيت من حيث الاعتراف بعدم العلم، وسبيل الجاهل سؤال من يعلم لا إنكاره، قاله في "الكشف" أيضاً. ثم قال: ولا أخص أهل الذكر بأهل الكتابين ليشمل النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- وأصحابه، ولو خُص لجاز لأنهم موافقون في ذلك، فإن إنكارهم إنكارهم، ثم التبكيت متوجه إلى العدول عن السؤال إلى الإنكار، سألوا أولاً. انتهى. ومنه يُعلم جواز أن يُراد بأهل الذكر أهل القرآن. وما ذكره أبو حيان في تضعيفه من أنه لا حجة في "أخبرهم" ولا إلزام، ناشئ من عدم الوقوف على التحقيق الأنيق. وهذا ظاهر على تقدير تعلق {بالبينات} بـ "يعلمون"، والباء على هذا التقدير سببية، والمفعول محذوف عند بعض، وزعم آخر أنها زائدة والبينات هي المفعول، فافهم ذاك والله تعالى يتولى هداك.
{وأنزلنا إليك الذكر} أي: القرآن. وهو من التذكير، إما بمعنى الوعظ، أو بمعنى الإيقاظ من سِنة الغفلة. وإطلاقه على القرآن إما لاشتماله على ما ذُكِّر، أو لأنه سبب له؛ ومنه يُعلم تسمية التوراة ونحوها ذكراً. وقيل: المراد بالذكر العلم، وليس بذاك.
{لتبين للناس} كافة، ويدخل فيهم أهل مكة دخولاً أولياً، {ما نزل إليهم} في ذلك الذكر من الأحكام والشرائع، وغير ذلك من أحوال القرون المهلكة بأفانين العذاب حسب أعمالهم مع أنبيائهم -عليهم السلام- الموجبة لذلك، على وجه التفصيل بياناً شافياً، كما يُنبئ عنه صيغة "التفعيل" في الفعلين، لا سيما بعد ورود الثاني أولاً على صيغة "الأفعال". وعن مجاهد أن المراد بهذا التبيين تفسير المجمل، وشرح ما أشكل، إذ هما المحتاجان للتبيين، وأما النص والظاهر فلا يحتاجان إليه. وقيل: المراد به إيقافهم على حسب استعداداتهم المتفاوتة على ما خفي عليهم من أسرار القرآن وعلوه التي لا تكاد تُحصى، ولا يختص ذلك بتبيين الحرام والحلال وأحوال القرون الخالية والأمم الماضية. واستُؤنس له بما أخرجه الحاكم وصححه عن حذيفة قال: "قام فينا رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم- مقاماً أخبرنا فيه بما يكون إلى يوم القيامة، عقله منا من عقله ونسيه من نسيه". وهذا في معنى ما ذكره غير واحد أن التبيين أعم من التصريح بالمقصود ومن الإرشاد إلى ما يدل عليه، ويدخل فيه القياس وإشارة النص ودلالته، وما يُستنبط منه من العقائد والحقائق والأسرار الإلهية.
{ولعلهم يتفكرون} إشارة إلى ذلك؛ أي: وطلبٌ أن يتأملوا فينتبهوا للحقائق وما فيه من العِبر، ويحترزوا عما يؤدي إلى ما أصاب الأولين من العذاب. وقال بعض المعتزلة: أي وإرادة أن يتفكروا في ذلك فيعلموا الحق. ثم قال: وفيه دلالة على أن الله تعالى أراد من جميع الناس التفكر والنظر المؤدي إلى معرفة، بخلاف ما يقول أهل الجبر. ونحن في غنى عن تقدير الإرادة بتقدير الطلب، ومن قدّرها منا أرادها منها، وإلا ورد عليه تأمل البعض، ولعله الأكثر، وهي لا تنفعك المراد عنها على المذهب، فلا بد من العدول عنه إلى مقابله. وقيل: أراد تعلقها بالبعض وهو المتأمل لا بالكل. وأيد بعضهم إرادة الصحابة أو ما يشملهم والنبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- من أهل الذكر فيما تقدم بذكر هذه الآية بعده، وليس بذي أيد.