Tafsir of Al-Mu'minoon 23:101

Surah Al-Mu'minoon 23:101

ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ

So when the Horn is blown, no relationship will there be among them that Day, nor will they ask about one another.

Tafsir

Ruh al-Ma'ani

Verse range: 23:101

Open in Qurani

{فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ} لِقِيَامِ السَّاعَةِ، وَهِيَ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي يَقَعُ عِنْدَهَا البَعْثُ وَالنُّشُورُ. وَقِيلَ: المَعْنَى فَإِذَا نُفِخَ فِي الأَجْسَادِ أَرْوَاحُهَا، عَلَى أَنَّ "الصُّورَ" جَمْعُ "صُورَةٍ" عَلَى نَحْوِ "بُسْرٍ وَبُسْرَةٍ"، لَا القَرْنُ. وَأُيِّدَ بِقِرَاءَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالحَسَنِ وَابْنِ عَيَّاضٍ (فِي الصُّوَرِ) بِضَمِّ الصَّادِ وَفَتْحِ الوَاوِ، وَقِرَاءَةِ ابْنِ رَزِينٍ (فِي الصُّوَرِ) بِكَسْرِ الصَّادِ وَفَتْحِ الوَاوِ، فَإِنَّ المَذْكُورَ فِي هَاتَيْنِ القِرَاءَتَيْنِ جَمْعُ صُورَةٍ لَا بِمَعْنَى القَرْنِ قَطْعًا. وَالأَصْلُ تَوَافُقُ مَعَانِي القِرَاءَاتِ، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ النَّفْخِ فِي الصُّوَرِ بِمَعْنَى القَرْنِ الَّذِي جَاءَ فِي الخَبَرِ وَدَلَّتْ عَلَيْهِ آثَارٌ، وَبَيْنَ النَّفْخِ فِي الصُّوَرِ جَمْعِ صُورَةٍ، فَقَدْ جَاءَ أَنَّ هَذَا النَّفْخَ عِنْدَ ذَاكَ.

{فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ} أَيْ يَوْمَ إِذْ نُفِخَ فِي الصُّورِ، كَمَا هِيَ بَيْنَهُمُ اليَوْمَ. وَالمُرَادُ أَنَّهَا لَا تَنْفَعُهُمْ شَيْئًا، فَهِيَ مُنَزَّلَةٌ مَنْزِلَةَ العَدَمِ لِعِظَمِ الهَوْلِ وَاشْتِغَالِ كُلٍّ بِنَفْسِهِ، بِحَيْثُ يَفِرُّ المَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ.

وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ المُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ المُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الحِلْيَةِ، وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ جَمَعَ اللهُ تَعَالَى الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ..." وَفِي لَفْظٍ: "يُؤْخَذُ بِيَدِ العَبْدِ أَوِ الأَمَةِ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى رُؤُوسِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: أَلَا إِنَّ هَذَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، فَمَنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ قِبَلَهُ فَلْيَأْتِ إِلَى حَقِّهِ". وَفِي لَفْظٍ: "مَنْ كَانَ لَهُ مَظْلَمَةٌ فَلْيَجِيءْ لِيَأْخُذَ حَقَّهُ، فَيَفْرَحُ وَاللهِ المَرْءُ أَنْ يَكُونَ لَهُ الحَقُّ عَلَى وَالِدِهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ زَوْجَتِهِ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا. وَمِصْدَاقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ}". وَهَذَا الأَثَرُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الحُكْمَ غَيْرُ خَاصٍّ بِالكَفَرَةِ بَلْ يَعُمُّهُمْ وَغَيْرَهُمْ. وَقِيلَ: هُوَ خَاصٌّ بِهِمْ كَمَا يَقْتَضِيهِ سِيَاقُ الآيَةِ. وَقِيلَ: لَا يَنْفَعُ نَسَبٌ يَوْمَئِذٍ إِلَّا نَسَبُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَدْ أَخْرَجَ البَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالبَيْهَقِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ وَالحَاكِمُ وَالضِّيَاءُ فِي المُخْتَارَةِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "كُلُّ سَبَبٍ وَنَسَبٍ مُنْقَطِعٌ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَّا سَبَبِي وَنَسَبِي".

وَقَدْ أَخْرَجَ جَمَاعَةٌ نَحْوَهُ عَنْ مِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ مَرْفُوعًا، وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، وَهُوَ خَبَرٌ مَقْبُولٌ لَا يَكَادُ يَرُدُّهُ إِلَّا مَنْ فِي قَلْبِهِ شَائِبَةُ نَصَبٍ. نَعَمْ يَنْبَغِي القَوْلُ بِأَنَّ نَفْعَ نَسَبِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ تَشَرَّفُوا بِهِ، وَأَمَّا الكَافِرُ -وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى- فَلَا نَفْعَ لَهُ بِذَلِكَ أَصْلًا. وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ هَذَا الخَبَرَ لَا يُنَافِي إِرَادَةَ العُمُومِ فِي الآيَةِ بِأَنْ يَكُونَ المُرَادُ نَفْيَ الِالْتِفَاتِ إِلَى الأَنْسَابِ عَقِيبَ النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ -حَسْبَمَا يُؤْذِنُ بِهِ الفَاءُ الجَزَائِيَّةُ- فَإِنَّهَا عَلَى المُخْتَارِ تَدُلُّ عَلَى التَّعْقِيبِ، وَيَكُونُ المُرَادُ تَهْوِيلَ شَأْنِ ذَلِكَ الوَقْتِ بِبَيَانِ أَنَّهُ يَذْهَلُ فِيهِ كُلُّ أَحَدٍ عَمَّنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ نَسَبٌ، وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ، وَلَا يَخْطُرُ هُوَ بِبَالِهِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَنْفَعَهُ أَوْ لَا يَنْفَعَهُ، وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ نَفْعِ كُلِّ نَسَبٍ، فَضْلًا عَنْ عَدَمِ نَفْعِ نَسَبِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، وَحُكِيَ عَنِ الجُبَّائِيِّ أَنَّ المُرَادَ أَنَّهُ لَا يُفْتَخَرُ يَوْمَئِذٍ بِالأَنْسَابِ كَمَا يُفْتَخَرُ بِهَا فِي الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا يُفْتَخَرُ هُنَاكَ بِالأَعْمَالِ وَالنَّجَاةِ مِنَ الأَهْوَالِ، فَحَيْثُ لَمْ يُفْتَخَرْ بِهَا ثَمَّتَ كَانَتْ كَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ، فَعَلَى هَذَا، وَكَذَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ، يَكُونُ قَوْلُهُ تَعَالَى {فَلَا أَنْسَابَ} مِنْ بَابِ المَجَازِ.

وَجُوِّزَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ صِفَةٌ مُقَدَّرَةٌ، أَيْ: فَلَا أَنْسَابَ نَافِعَةٌ، أَوْ مُلْتَفَتٌ إِلَيْهَا، أَوْ مُفْتَخَرٌ بِهَا، وَلَيْسَ بِذَاكَ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ العَامِلَ فِي {يَوْمَئِذٍ} هُوَ العَامِلُ فِي {بَيْنَهُمْ} لَا {أَنْسَابَ} لِمَا لَا يَخْفَى.

{وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} أَيْ وَلَا يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَنْ حَالِهِ وَمِمَّنْ هُوَ وَنَحْوُ ذَلِكَ، لِاشْتِغَالِ كُلٍّ مِنْهُمْ بِنَفْسِهِ عَنِ الِالْتِفَاتِ إِلَى أَبْنَاءِ جِنْسِهِ. وَذَلِكَ عَقِيبَ النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ أَيْضًا، فَهُوَ مُقَيَّدٌ بـ "يَوْمَئِذٍ" وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ بَعْدَهُ اكْتِفَاءً بِمَا تَقَدَّمَ، وَكَأَنَّ كِلَا الحُكْمَيْنِ بَعْدَ تَحْقِيقِ أَمْرِ تِلْكَ النَّفْخَةِ لَدَيْهِمْ وَمَعْرِفَتِهَا لِمَاذَا كَانَتْ. وَحِينَئِذٍ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ قَوْلَهُمْ {مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} قَبْلَ تَحَقُّقِ أَمْرِ تِلْكَ النَّفْخَةِ لَدَيْهِمْ، فَلَا إِشْكَالَ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّ كِلَا الحُكْمَيْنِ فِي مَبْدَأِ الأَمْرِ قَبْلَ القَوْلِ المَذْكُورِ؛ كَأَنَّهُمْ حِينَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ يَذْهَلُونَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، الأَنْسَابِ وَغَيْرِهَا، كَالنَّائِمِ إِذَا صِيحَ بِهِ صَيْحَةً مُفْزِعَةً فَهَبَّ مِنْ مَنَامِهِ فَزِعًا ذَاهِلًا عَمَّنْ عِنْدَهُ مَثَلًا، فَإِذَا سَكَنَ رَوْعُهُمْ فِي الجُمْلَةِ قَالَ قَائِلُهُمْ {مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا}. وَقِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ قَوْلَهُمْ {مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} كَانَ بِطَرِيقِ التَّسَاؤُلِ. وَعَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ لَا يُشْكِلُ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي شَأْنِ الكَفَرَةِ يَوْمَ القِيَامَةِ: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ}، وَفِي شَأْنِ المُؤْمِنِينَ: {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ}، فَإِنَّ تَسَاؤُلَ الكَفَرَةِ المَنْفِيَّ فِي مَوْطِنٍ، وَتَسَاؤُلَهُمُ المُثْبَتَ فِي مَوْطِنٍ آخَرَ، وَلَعَلَّهُ عِنْدَ جَهَنَّمَ وَهُوَ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ بِكَثِيرٍ، وَكَذَا تَسَاؤُلُ المُؤْمِنِينَ بَعْدَهَا بِكَثِيرٍ أَيْضًا فَإِنَّهُ فِي الجَنَّةِ كَمَا يُرْشِدُ إِلَيْهِ الرُّجُوعُ إِلَى مَا قَبْلَ الآيَةِ. وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ التَّسَاؤُلَ المَنْفِيَّ هُنَا تَسَاؤُلُ التَّعَارُفِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ دَفْعُ مَضَرَّةٍ أَوْ جَلْبُ مَنْفَعَةٍ، وَالتَّسَاؤُلَ المُثْبَتَ لِأَهْلِ النَّارِ تَسَاؤُلٌ وَرَاءَ ذَلِكَ، وَقَدْ بَيَّنَهُ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ عَزَّ مَنْ قَائِلٍ: {قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ} الآيَةَ. وَقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وَعَلَا تَسَاؤُلَ أَهْلِ الجَنَّةِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ} الآيَةَ، وَهُوَ أَيْضًا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ التَّسَاؤُلِ لَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنَ الِاسْتِئْنَاسِ دُونَ دَفْعِ مَضَرَّةٍ عَمَّنْ يُكَلِّمُهُ أَوْ جَلْبِ مَنْفَعَةٍ لَهُ.

وَقِيلَ: المَنْفِيُّ التَّسَاؤُلُ بِالأَنْسَابِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: بَيْنَهُمْ لَا يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِهَا، وَالمُرَادُ أَنَّهَا لَا تَنْفَعُ فِي نَفْسِهَا وَعِنْدَهُمْ، وَالآيَةُ فِي شَأْنِ الكَفَرَةِ، وَتَسَاؤُلُهُمُ المُثْبَتُ فِي آيَةٍ أُخْرَى لَيْسَ تَسَاؤُلًا بِالأَنْسَابِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، فَلَا إِشْكَالَ. وَرَوَى جَمَاعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ وَجْهِ الجَمْعِ بَيْنَ النَّفْيِ هُنَا وَالإِثْبَاتِ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ}، فَقَالَ: إِنَّ نَفْيَ التَّسَاؤُلِ فِي النَّفْخَةِ الأُولَى حِينَ لَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ شَيْءٌ، وَإِثْبَاتَهُ فِي النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ. وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ عِنْدَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ} فَإِذَا نُفِخَ النَّفْخَةَ الأُولَى، وَهَذِهِ إِحْدَى رِوَايَتَيْنِ عَنْهُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ حَمْلُهُ عَلَى النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ، وَحِينَئِذٍ يُخْتَارُ فِي وَجْهِ الجَمْعِ أَحَدُ الأَوْجُهِ الَّتِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا. وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ {وَلَا يُسَاءَلُونَ} بِتَشْدِيدِ السِّينِ.