Tafsir of Al Imran 3:146

Surah Al Imran 3:146

ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ

And how many a prophet [fought and] with him fought many religious scholars. But they never lost assurance due to what afflicted them in the cause of Allah, nor did they weaken or submit. And Allah loves the steadfast.

Tafsir

Ruh al-Ma'ani

Verse range: 3:146

Open in Qurani

{وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ}

{وَكَأَيِّن} هي جملة مبتدأة سِيقت لتوبيخ المنهزمين أيضاً، حيث لم يقتدوا بسُنن الربانيين المجاهدين مع الرسل -عليهم الصلاة والسلام- مع أنهم أولى بذلك لكونهم خير أمة أُخرجت للناس.

وقد اختُلف في هذه الكلمة؛ فقيل: إنها بسيطة وُضعت كذلك ابتداءً والنون أصلية، وإليه ذهب ابن حيان وغيره، وعليه فالأمر ظاهر موافق للرسم. وقيل -وهو المشهور-: إنها مركبة من "أيّ" المنونة وكاف التشبيه. واختلف في "أي" هذه؛ فقيل: هي "أي" التي في قولهم "أيّ الرجال". وقال ابن جني: إنها مصدر "أوى يأوي" إذا انضم واجتمع، وأصله "أوِي" فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت وأُدغمت مثل "طيّ" و"شيّ"، وحدث فيها بعد التركيب معنى التكثير المفهوم من "كم"، كما حدث في "كذا" بعد التركيب معنى آخر.

فـ "كم" و"كأين" بمعنى واحد. قالوا: وتشاركها في خمسة أمور: الإبهام، والافتقار إلى التمييز، والبناء، ولزوم التصدير، وإفادة التكثير وهو الغالب. والاستفهام نادر ولم يُثبته إلا ابن قتيبة وابن عصفور وابن مالك، واستدلوا عليه بقول أُبي بن كعب لابن مسعود -رضي الله تعالى عنهما-: "كأين تقرأ سورة الأحزاب آية؟" فقال: ثلاثاً وسبعين.

وتخالفها في خمسة أمور أيضاً: أحدها: أنها مركبة في المشهور، و"كم" بسيطة فيه (خلافاً لمن زعم أنها مركبة من الكاف و"ما" الاستفهامية ثم حُذفت ألفها لدخول الجار وسُكّنت للتخفيف لثقل الكلمة بالتركيب). الثاني: أن مميزها مجرور بـ "مِن" غالباً، حتى زعم ابن عصفور لزوم ذلك، ويردّه نص سيبويه على عدم اللزوم، ومن ذلك قوله: "أطرد اليأس بالرجاء، فكأين ألماً حمّ يسره بعد عُسر". الثالث: أنها لا تقع استفهامية عند الجمهور. الرابع: أنها لا تقع مجرورة، خلافاً لابن قتيبة وابن عصفور إذ أجازا "بِكأين تبيع الثوب". الخامس: أن خبرها لا يقع مفرداً.

وقالوا: إن بينها وبين "كذا" موافقة ومخالفة أيضاً. فتوافقها "كذا" في أربعة أمور: التركيب، والبناء، والإبهام، والافتقار إلى التمييز. وتخالفها في ثلاثة أمور: الأول: أنها ليس لها الصدر؛ تقول: "قبضت كذا وكذا درهماً". الثاني: أن تمييزها واجب النصب، فلا يجوز جره بـ "مِن" اتفاقاً ولا بالإضافة، خلافاً للكوفيين (أجازوا في غير تكرار ولا عطف أن يقال: كذا ثوب وكذا أثواب قياساً على العدد الصريح). الثالث: أنها لا تُستعمل غالباً إلا معطوفاً عليها، كقوله: "عدّ النفس نعمى بعد بؤسك ذاكراً، كذا وكذا لطفاً به نسي الجُهد".

ثم إن إثبات تنوين {كَأَيِّن} على القول المشهور في الوقف والخط على خلاف القياس؛ لما أنه نُسخ أصلها. وفيه لغات وكلها قد قُرئ بها: إحداها: {كَأَيِّن} بالتشديد على الأصل وهي اللغة المشهورة وبها قرأ الجمهور. الثانية: "كأين" بألف بعدها همزة مكسورة من غير ياء على وزن "كأعن" كاسم الفاعل، وبها قرأ ابن كثير، ومن ذلك قوله: "وكائن لنا فضلاً عليكم ومنّةً، قديماً ولا تدرون ما مَنّ مُنعم". واختلف في توجيهها؛ فعن المبرد أنها اسم فاعل من "كان يكون"، وهو بعيد الصحة إذ لا وجه لبنائها حينئذ ولا لإفادتها التكثير. وقيل: أصلها المشددة فقُدّمت الياء المشددة على الهمزة وصار "كِئّين" بكاف وياء مفتوحتين وهمزة مكسورة ونون، ووزنه "كعلف"، ونظير هذا التصرف في المفرد تصرفهم في المركب كما ورد في لغة نادرة "عملي" بتقديم الراء في "لعمري"، ثم حُذفت الياء الأولى للتخفيف، فقلبت الثانية ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، أو حُذفت الياء الثانية لثقلها بالحركة والتضعيف وقلبت الياء الساكنة ألفاً كما في "آية". الثالثة: "كأين" بياء بعد الهمزة، وبها قرأ ابن محيصن، ووجهها أنها حُذفت الياء الثانية وسُكّنت الهمزة لاختلاط الكلمتين وجعلهما كالكلمة الواحدة كما سكّنوا الهاء في "لهو" و"فهو"، وحُرّكت الياء لسكون ما قبلها. الرابعة: "كِئبن" بياء ساكنة بعدها همزة مكسورة. الخامسة: "كَأَنْ" بكاف مفتوحة وهمزة مكسورة ونون، ووزنه "كَعْ". وورد ذلك في قوله: "كأنّ من صديق خِلته صادق الإخا، أبان اختباري أنه لمداهن". ووجهه أنه حُذفت إحدى الياءين ثم حُذفت الأخرى للتنوين أو حُذِفتا دفعة واحدة، وأُحتمل ذلك لما امتزج الحرفان.

والكاف لا متعلق لها لخروجها عن معناها، ومَن قال به كالحوفي فقد تعسّف. وموضعهما رفع بالابتداء. وقوله تعالى: {مِّن نَّبِيٍّ} تمييز له كتمييز "كم". ولعل المراد من النبي هنا الرسول، وبه صرّح الطبرسي.

{قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} أي جموع كثيرة، وهو التفسير المشهور عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-. وأُشهد له كما رواه ابن الأنباري حين سأله نافع بن الأزرق بقول حسان: "وإذا معشرٌ تجافوا عن القصـ...ـد أملنا عليهم رِبّيا". وعليه فهو منسوب إلى "رِبّة" بكسر الراء، وكون الضم فيها لغة غير متحقق، وهي الجماعة للمبالغة. وخصها الضحاك بألف، وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن أنهم العلماء الفقهاء، وأخرجه ابن جبير عن ابن عباس أيضاً، وعليه فهو منسوب إلى الربّ "ربانيون" على خلاف القياس كقراءة الضم والموافق له الفتح وبها قُرئ. وقال ابن زيد: الربيون هم الأتباع، والربانيون الولاة.

وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب {قُتِلَ} بالبناء للمفعول. وفي خبر المبتدأ أوجه: أحدها أنه الفعل مع الضمير المستتر فيه الراجع إلى {كَأَيِّن} أو إلى {نبي}، وحينئذ فـ {مَعَهُ رِبِّيُّونَ} جملة حالية من الضمير أو من "نبي" لتخصيصه معنى، أو {مَعَهُ} حال و{رِبِّيُّونَ} فاعله. وثانيها أنه جملة {مَعَهُ رِبِّيُّونَ}، فحينئذ تكون جملة الفعل "قُتل" مرفوعة صفة لنبي. وثالثها أنه محذوف وتقديره "مضى" ونحوه، وحينئذ يجوز أن يكون الفعل صفة لنبي و{مَعَهُ رِبِّيُّونَ} حالاً، ويجوز أن يكون الفعل مسنداً لربيون فلا ضمير فيه والجملة صفة لنبي. ورابعها أن يكون {رِبِّيُّونَ} مرفوعاً بالفعل فلا ضمير والجملة هي الخبر.

وقُرئ {قَتَّلَ} بالتشديد. قال ابن جني: وحينئذ فلا ضمير في الفعل لما في التضعيف من الدلالة على التكثير، وهو ينافي إسناده إلى الواحد. وأُجيب بأنه لا يمتنع أن يكون فيه ضمير الأول لأنه في معنى الجماعة. وأُعترض بأنه خلاف الظاهر. ومن هنا قيل: إن هذه القراءة تؤيد إسناد {قُتِلَ} إلى الربيين. وأيضاً ما أخرجه ابن المنذر عن ابن جبير أنه كان يقول: ما سمعنا قط أن نبياً قُتل في القتال، وقول الحسن وجماعة: لم يُقتل نبي في الحرب قط. ثم إن مَن ادّعى إسناد القتل إلى النبي وأنه في الحرب أيضاً -على ما يُشعر به المقام- حمل النصرة الموعود بها في قوله تعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا} على النصرة بإعلاء الكلمة ونحوه، لا على الأعداء مطلقاً لئلا تتنافى الآيتان، وهذا أحد الأجوبة في هذا المقام تقدمت الإشارة إليها فتذّكر. والتنوين في {نَّبِيٍّ} للتعظيم، وزعم الأجهوري أنه للتكثير.

{فَمَا وَهَنُوا} عطف على {قَاتَلَ}، على أن المراد عدم الوهن المتوقع من القتال والتلبس بالشيء بعد ورود ما يستدعي خلافه، وإن كان استمراراً عليه بحسب الظاهر، لكنه بحسب الحقيقة -كما قال مولانا شيخ الإسلام-: صُنْع جديد. ومن هنا صح دخول الفاء المؤذنة بترتب ما بعدها على ما قبلها، ومن ذلك قولهم: "وعظته فلم يتّعظ، وزجرته فلم ينزجر". وأصل الوهن الضعف، وفسّره قتادة وابن أبي مالك هنا بالعجز، والزجاج بالجبن، أي فما عجزوا أو فما جبنوا.

{لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} في أثناء القتال. وهذا علة للمنفي لا للنفي، نعم يُفهم المنفي من تقييد المُثبت بهذا الظرف. و"ما" موصولة أو موصوفة، فإن جُعل الضميران لجميع الربيين فهي عبارة عما عدا القتل من مكاره الحروب التي تعتري الكل، وإن جُعلا للبعض الباقين بعد قتل الآخرين -وهو الأنسب كما قيل في مقام توبيخ المنخذلين بعدما استُشهد الشهداء- فهي عبارة عن ذلك أيضاً مع ما اعتراهم بعد قتل إخوانهم من نحو الخوف والحزن، هذا على القراءة المشهورة. وأما على القراءتين الأخيرتين -أعني {قُتِلَ} و{قُتِّلَ} على صيغة المبني للمفعول مخففة ومشددة- فقد قالوا: إن أُسند الفعل إلى الظاهر فالضميران للباقين حتماً، والكلام حينئذ من قبيل "قُتل بنو فلان" إذا وقع القتل فيهم ولم يُستأصلوا، وإن أُسند إلى الضمير -كما هو الظاهر الأنسب عند البعض بالتوبيخ على الانخذال بسبب الأرجاف بقتله صلى الله تعالى عليه وسلم- وإليه ذهب قتادة والربيع وابن أبي إسحاق والسدي كما قيل، فهما للباقين أيضاً إن أُعتبر كون الربيين مع النبي في القتل، وللجميع إن أُعتبر كونهم معه في القتال.

{وَمَا ضَعُفُوا} أي ما فتروا عن الجهاد، قاله الزجاج. وقيل: ما عراهم ضعف في الدين بأن تغير اعتقادهم لعدم النصر.

{وَمَا اسْتَكَانُوا} أي ما ارتدّوا عن بصيرتهم ولا عن دينهم، قاله قتادة. وقيل: ما خضعوا لعدوهم، وإليه يشير كلام ابن عباس، وكثيراً ما يُستعمل "استكان" بهذا المعنى، وكذا بمعنى تضرّع. واختلف فيه: هل هو من "السكون" فوزنه "افتعل" لأن الخاضع يسكن لمن خضع له، فألفه للإشباع وهو كثير وليس بخطأ (خلافاً لأبي البقاء)، ولا يختص بالشعر (خلافاً لأبي حيان)؟ أو من "الكون" فوزنه "استفعل" وألفه منقلبة عن واو، والسين مزيدة للتأكيد، كأنه طلب من نفسه أن يكون لمن قهره؟ وقيل: لأنه كالعدم فهو يطلب من نفسه الوجود. وجُوّز أن يكون من قول العرب: "بات فلان بكينة سوء" أي بحالة سوء، أو من كأنه "يكينه" إذا أذلّه، وعُزي ذلك إلى الأزهري وأبي علي، وحينئذ فألفه منقلبة عن ياء.

والجمهور على فتح الهاء من {وَهَنُوا}، وقُرئ بكسرها وهي لغة والفتح أشهر، وقُرئ بإسكانها على تخفيف المكسور. وفي الكلام تعريض لا يخفى.

{وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} على مقاساة الشدائد ومعاناة المكاره في سبيله فينصرهم ويعظم قدرهم. والمراد بالصابرين إما الربيون، والإظهار في موضع الإضمار للتصريح بالثناء عليهم بالصبر الذي هو مِلاك الأمر، مع الإشعار بعلة الحكم، وإما ما يعمّهم وغيرهم، وهم داخلون في ذلك دخولاً أوّلياً. والجملة على التقديرين تذييل لما قبلها.