Tafsir of Saba' 34:15

Surah Saba' 34:15

ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ

There was for [the tribe of] Saba' in their dwelling place a sign: two [fields of] gardens on the right and on the left. [They were told], "Eat from the provisions of your Lord and be grateful to Him. A good land [have you], and a forgiving Lord."

Tafsir

Ruh al-Ma'ani

Verse range: 34:15

Open in Qurani

لقد كان لسبأ

لما ذكر عز وجل حال الشاكرين لنعمه المنيبين إليه تعالى، ذكر حال الكافرين بالنعمة المعرضين عنه جل شأنه، موعظة لقريش وتحذيراً لمن كفر بالنعم وأعرض عن المنعم.

وسبأ في الأصل اسم رجل، وهو سبأ بن يشجب -بالشين المعجمة والجيم- كـ(ينصر) بن يعرب بن قحطان. وفي بعض الأخبار عن فروة بن مسيك قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، أخبرني عن سبأ، أرجل هو أم امرأة؟ فقال: «هو رجل من العرب، ولد عشرة، تيامن منهم ستة، وتشاءم منهم أربعة؛ فأما الذين تيامنوا فالأزد، وكندة، ومذحج، والأشعريون، وأنمار، ومنهم بجيلة، وأما الذين تشاءموا فعاملة، وغسان، ولخم، وجذام». وفي شرح قصيدة عبد المجيد بن عبدون لعبد الملك بن عبد الله بن بدرون الحضرمي البستي: أن سبأ بن يشجب أول ملوك اليمن في قول، واسمه عبد شمس، وإنما سُمي سبأ لأنه أول من سبى السبي من ولد قحطان، وكان ملكه أربعمائة وأربعاً وثمانين سنة، ثم سُمي به الحي.

ومنع الصرف عنه ابن كثير وأبو عمرو باعتبار جعله اسماً للقبيلة، ففيه العلمية والتأنيث. وقرأ قنبل بإسكان الهمزة على نية الوقف، وعن ابن كثير قلب همزته ألفاً، ولعله سكنها أولاً بنية الوقف كقنبل، ثم قلبها ألفاً، والهمزة إذا سكنت يطرد قلبها من جنس حركة ما قبلها. وقيل: لعله أخرجها بين بين، فلم يؤده الراوي كما وجب.

والمراد بسبأ هنا إما الحي أو القبيلة، وإما الرجل الذي سمعت؛ وعليه فالكلام على تقدير مضاف، أي: لقد كان في أولاد سبأ. وجوز أن يراد به البلد، وقد شاع إطلاقه عليه، وحينئذ فالضمير في قوله تعالى: (في مسكنهم) لأهلها، أو هي مراد بها الحي على سبيل الاستخدام. والأمر فيه على ما تقدم ظاهر.

و(المسكن) اسم مكان، أي: في محل سكناهم، وهو كالدار، يطلق على المأوى للجميع وإن كان قطراً واسعاً، كما تسمى الدنيا داراً. وقال أبو حيان: ينبغي أن يحمل على المصدر، أي: في سكناهم؛ لأن كل أحد له مسكن، وقد أُفرد في هذه القراءة، وجعل المفرد بمعنى الجمع كما في قوله: "كلوا في بعض بطنكم تعفوا"، وقوله: "قد عض أعناقهم جلد الجواميس"، يختص بالضرورة عند سيبويه. انتهى. وبما ذكرنا لا تبقى حاجة إليه كما لا يخفى. واسم ذلك المكان "مأرب" كـ(منزل)، وهي من بلاد اليمن، بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث.

وقرأ الكسائي والأعمش وعلقمة (مَسْكِنهم) بكسر الكاف على خلاف القياس، كمسجد ومطلع؛ لأن ما ضمت عين مضارعه أو فتحت، قياس المَفْعَل منه -زماناً ومكاناً ومصدراً- الفتح لا غير. وقال أبو الحسن: كسر الكاف لغة فاشية، وهي لغة الناس اليوم، والفتح لغة الحجاز وهي اليوم قليلة. وقال الفراء: هي لغة يمانية فصيحة. وقرأ الجمهور (مساكنهم) جمعاً، أي: في مواضع سكناهم.

(آية) أي: علامة دالة بملاحظة أخواتها السابقة واللاحقة على وجود الصانع المختار، وأنه سبحانه قادر على ما يشاء من الأمور العجيبة، مجاز للمحسن والمسيء، وهي اسم (كان). وقوله تعالى (جنتان) بدل منها على ما أشار إليه الفراء وصرح به مكي وغيره. وقال الزجاج: خبر مبتدأ محذوف، أي: هي جنتان. ولا يشترط في البدل المطابقة إفراداً وغيره، وكذا الخبر إذا كان غير مشتق، ولم يمنع المعنى من اتحاده مع المبتدأ. ولعل وجه توحيد الآية هنا مثله في قوله تعالى: (وجعلنا ابن مريم وأمه آية). ولا حاجة إلى اعتبار مضاف مفرد محذوف هو البدل أو الخبر في الحقيقة، أي: قصة جنتين. وذهب ابن عطية -بعد أن ضعف وجه البدلية ولم يذكر الجهة- إلى أن (جنتان) مبتدأ خبره قوله تعالى: (عن يمين وشمال). ولا يظهر؛ لأنه نكرة لا مسوغ للابتداء بها إلا أن أعتقد أن ثم صفة محذوفة، أي: جنتان لهم، أو جنتان عظيمتان، وعلى تقدير ذلك يبقى الكلام متفلتاً عما قبله. وقرأ ابن أبي عبلة (جنتين) بالنصب على المدح. وقال أبو حيان: على أن (آية) اسم (كان) و(جنتين) الخبر.

وأياً كان، فالمراد بالجنتين -على ما روي عن قتادة- جماعتان من البساتين: جماعة عن يمين بلدهم، وجماعة عن شماله. وإطلاق الجنة على كل جماعة لأنها لتقارب أفرادها وتضامها كأنها جنة واحدة، كما تكون بلاد الريف العامرة وبساتينها. وقيل: أريد بستاناً لكل رجل منهم عن يمين مسكنه وشماله كما قال سبحانه: (جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب). قيل: ولم تُجمع لئلا يلزم أن لكل مسكن رجل جنة واحدة لمقابلة الجمع بالجمع. ورد بأن قوله تعالى (عن يمين وشمال) يدفع ذلك؛ لأنه بالنظر إلى كل مسكن، إلا أنها لو جُمعت أوهم أن لكل مسكن جنات عن يمين وجنات عن شمال، وهذا لا محذور فيه إلا أن يدعى أنه مخالف للواقع. ثم إنه قيل: إن (في) فيما سبق بمعنى (عند)؛ فإن المساكن محفوفة بالجنتين لا ظرف لهما. وقيل: لا حاجة إلى هذا؛ فإن القريب من الشيء قد يجعل فيه مبالغة في شدة القرب ولكل جهة، لكن أنت تعلم أنه إذا أريد بالمساكن أو المسكن ما يصلح أن يكون ظرفاً لبلدهم المحفوفة بالجنتين، أو لمحل كل منهم المحفوفة بهما، لم يحتج إلى التأويل أصلاً، فلا تغفل.

(كلوا من رزق ربكم واشكروا له) جملة مستأنفة بتقدير قول، أي: قال لهم نبيهم: كلوا... إلخ. وفي مجمع البيان: قيل إن مساكنهم كانت ثلاثة عشر قرية، في كل قرية نبي يدعوهم إلى الله عز وجل، يقول: كلوا من رزق ربكم إلخ. وقيل: ليس هناك قول حقيقة، وإنما هو قول بلسان الحال.

(بلدة طيبة ورب غفور) أي: هذه البلدة التي فيها رزقكم بلدة طيبة، وربكم الذي رزقكم وطلب شكركم رب غفور، فرطت من يشكره. والجملة استئناف للتصريح بموجب الشكر. ومعنى (طيبة): زكية مستلذة. يروى أنها كانت لطيفة الهواء، حسنة التربة، لا تحدث فيها عاهة، ولا يكون فيها هامة؛ حتى أن الغريب إذا حلها وفي ثيابه قمل أو براغيث ماتت. وقيل: المراد بطيبها صحة هوائها وعذوبة مائها ووفور نزهتها، وأنه ليس فيها حر يؤذي في الصيف، ولا برد يؤذي في الشتاء.

وقرأ رويس بنصب (بلدة) وجميع ما بعدها، وذلك على المدح والوصفية. وقال أحمد بن يحيى: بتقدير: اسكنوا بلدة طيبة، واعبدوا رباً غفوراً. ومن الاتفاقات النادرة إن لفظ "بلدة طيبة" بحساب الجمل، واعتبار هاء التأنيث بأربعمائة كما ذهب إليه كثير من الأدباء، وقع تاريخاً لفتح القسطنطينية، وكانت نزهة بلاد الروم.