Tafsir of An-Nisa' 4:114

Surah An-Nisa' 4:114

ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ

No good is there in much of their private conversation, except for those who enjoin charity or that which is right or conciliation between people. And whoever does that seeking means to the approval of Allah - then We are going to give him a great reward.

Tafsir

Ruh al-Ma'ani

Verse range: 4:114

Open in Qurani

﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ﴾

(لا خير في كثير من نجواهم): أي الذين يتناجون بالإثم. واختيار الجمع [للضمير] يشير إلى أن المراد هم الذين يتناجون، وإليه يشير كلام مجاهد. و"النجوى" في الكلام — كما قال الزجاج — هي ما يتفرد به الجماعة أو الاثنان. وهل يُشترط فيها أن تكون سرًا أم لا؟ في ذلك قولان. وتكون "نجوى" بمعنى التناجي، وتُطلق على القوم المتناجين كما في قوله تعالى: "إذ هم نجوى"؛ وهي إما من باب "رجل عدل" أو على أنها جمع "نجي" كما نقله الكرماني. والظرف الأول (في كثير) خبر "لا"، والثاني (من نجواهم) في موضع الصفة للنكرة، أي كائن من نجواهم.

(إلا من أمر): أي إلا في نجوى من أمر (بصدقة)؛ فالكلام على حذف مضاف، وبه يتصل الاستثناء. وكذا إن أُريد بالنجوى "المتناجون" على أحد الاعتبارين، ولا يحتاج إلى ذلك التقدير حينئذ، ويكفي في صحة الاتصال صحة الدخول، وإن لم يُجزم به. فلا يرد ما توهمه عصام الدين من أن "جاءني كثير من الرجال إلا زيدًا" لا يصح فيه الاتصال لعدم الجزم بدخول زيد في الكثير، ولا الانقطاع لعدم الجزم بخروجه، ولا حاجة إلى ما تكلّف في دفعه بأن المراد "لا خير في كثير من نجوى واحد منهم إلا نجوى من أمر"، فإنه على ما فيه لا يتأتى مثله على احتمال الجمع. وجوز -رحمه الله تعالى- بل زعم أنه الأولى أن يُجعل "إلا من أمر" متعلقًا بما أُضيف إليه النجوى بالاستثناء أو البدل، ولا يخفى أنه إن سُلّم أن له معنى خلاف الظاهر [فذاك]، وجوّز غير واحد أن يكون الاستثناء منقطعًا على معنى: لكن من أمر بصدقة وإن قلّت ففي نجواه الخير.

(أو معروف): وهو كل ما عرفه الشرع واستحسنه، فيشمل جميع أصناف البر كالقرض وإغاثة الملهوف وإرشاد الضال إلى غير ذلك. ويُراد به هنا ما عدا الصدقة، وما عدا ما أُشير إليه بقوله تعالى (أو إصلاح بين الناس). وتخصيصه بالقرض وإغاثة الملهوف وصدقة التطوع، وتخصيص الصدقة فيما تقدم بالصدقة الواجبة، مما لا أعدي إليه وليس له سند يُعوّل عليه. وخُصت الصدقة والإصلاح بين الناس بالذكر من بين ما شمله هذا العام إيذانًا بالاعتناء بهما؛ لما في الأول من بذل المال الذي هو شقيق الروح، وما في الثاني من إزالة فساد ذات البين، وهي "الحالقة للدين" كما في الخبر. وقُدّمت الصدقة على الإصلاح لأن الأمر بها أشق لما فيه من تكليف بذل المحبوب، والنفس تنفر عمّن يكلّفها ذلك، ولا كذلك الأمر بالإصلاح. وذكر الإمام الرازي أن السر في إفراد هذه الأقسام الثلاثة بالذكر أن عمل الخير المتعدي إلى الناس إما لإيصال المنفعة أو لدفع المضرة؛ والمنفعة إما جسمانية كإعطاء المال وإليه إشارة بقوله تعالى: (إلا من أمر بصدقة)، وإما روحانية وإليه الإشارة بـ(الأمر بالمعروف)، وأما رفع الضرر فقد أُشير إليه بقوله تعالى: (أو إصلاح بين الناس)، ولا يخفى ما فيه. والمراد من الإصلاح بين الناس التأليف بينهم بالمودة إذا تفاسدوا من غير أن يجاوز في ذلك حدود الشرع الشريف. نعم، أُبيح الكذب لذلك؛ فقد أخرج الشيخان وأبو داود عن أم كلثوم بنت عقبة أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرًا أو يقول خيرًا»، وقالت: لم أسمعه يرخّص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث: في الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها.

وعدّ غير واحد الإصلاحَ من الصدقة، وأُيّد بما أخرجه البيهقي عن أبي أيوب أن النبي ﷺ قال له: «يا أبا أيوب ألا أدلك على صدقة يرضى الله تعالى ورسوله موضعها؟» قال: بلى. قال: «تصلح بين الناس إذا تفاسدوا، وتقرّب بينهم إذا تباعدوا». وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: «أفضل الصدقة إصلاح ذات البين»، وهذا الخبر ظاهر في أن الإصلاح أفضل من الصدقة بالمال. ومثله ما أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي -وصححه- عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟» قالوا: بلى. قال: «إصلاح ذات البين». ولا يخفى أن هذا ونحوه مخرج مخرج الترغيب، وليس المراد ظاهره، إذ لا شك أن الصيام المفروض والصلاة المفروضة والصدقة كذلك أفضل من الإصلاح؛ اللهم إلا أن يكون إصلاحًا يترتب على عدمه شر عظيم وفساد بين الناس كبير.

(ومن يفعل ذلك): أي المذكور من الصدقة وأخويها. والكلام تذييل للاستثناء، وكان الظاهر "من يأمر بذلك" ليكون مطابقًا للمذيّل، إلا أنه رتب الوعد على "الفعل" إثر بيان خيرية "الآمر"، لما أن المقصود الترغيب في الفعل وبيان خيرية الآمر به للدلالة على خيريته بالطريق الأولى. وجوّز أن يكون عبّر عن الأمر بالفعل، إذ هو يُكنى به عن جميع الأشياء؛ كما إذا قيل: حلفت على زيد وأكرمته وكذا وكذا، فتقول: "نِعْمَ ما فعلت". ولعل نكتة العدول عن "يأمر" إلى "يفعل" حينئذ الإشارة إلى أن التسبب لفعل غير الصدقة والإصلاح والمعروف بأي وجه كان كافٍ في ترتيب الثواب، ولا يتوقف ذلك على اللفظ. ويجوز جعل ذلك إشارة إلى الأمر، فيكون معنى "من أمر" و"من يفعل الأمر" واحدًا. وقيل: لا حاجة إلى جعله تذييلًا ليحتاج إلى التأويل تحصيلًا للمطابقة، بل لما ذُكر الآمر، استُطرد ذكر ممتثل أمره، كأنه قيل: ومن يمتثل (ابتغاء مرضات الله): أي لأجل طلب رضا الله تعالى (فسوف نؤتيه) بنون العظمة على الالتفات، وقرأ أبو عمرو وحمزة وقتيبة عن الكسائي وسهل وخلف بالياء (أجرًا عظيمًا) لا يحيط به نطاق الوصف. قيل: وإنما قيّد الفعل بالابتغاء المذكور لأن الأعمال بالنيات، وإن من فعل خيرًا لغير ذلك لم يستحق به غير الحرمان. ولا يخفى أن هذا ظاهر في أن الرياء محبط لثواب الأعمال بالكلية، وهذا ما صرّح به ابن عبد السلام والنووي. وقال الغزالي: إذا غلب الإخلاص فهو مثاب، وإلا فلا. وقيل: هو مثاب -غلب الإخلاص أم لا- على قدر الإخلاص. وفي دلالة الآية على أن غير المخلص لا يستحق غير الحرمان نظر؛ لأنه سبحانه أثبت فيها للمخلص أجرًا عظيمًا، وهو لا ينافي أن يكون لغيره ما دونه، وكون العظمة بالنسبة إلى أمور الدنيا خلاف الظاهر.